الأربعاء، 20 فبراير 2019

المحاضرة الرابعة في الأدلة الشرعية - أيت المكي

أصول الفقه

بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الرابعة في مادة الأدلة الشرعية للفوج ¾
الدكتور عبد العزيز ايت المكي

المصدر الثالث: دليـل الإجماع

·       تعريف الإجماع:

·       للإجماع في لغة العرب معنيان:

1.    العزم:  يقال أجمع فلان على الأمر، أي عزم عليه، ومنه حديث: " لا صيام لمن لم يجمع النية من الليل "
2.    الاتفاق: كقولك: " أجمع الناس على كذا " أي: اتفقوا عليه.
والمعنى المناسب في هذا المبحث : ( هو الاتفاق ).

·       وفي إصطلاح الأصوليين:
هو اتفاق المجتهدين[1] من أمة محمد صلى الله عليم وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي.

·       شرح التعريف:

    ~ هو اتفاق: أي أن الإجماع لابد فيه من الإتفاق على أمر من الأمور.

    ~ اتفاق المجتهدين: أي أن يكون الإتفاق صادرا من المجتهدين الذين تتوافر فيهم شروط الإجتهاد وتتمثل في ثلاثة شروط يجب توفرها في من يتصدى للاجتهاد، وبدونها لا يقبل اجتهاده، وإن كان قادرًا على الفهم والاستنباط، وهذه الشروط الثلاثة هي: الإسلام، والتكليف، والعدالة.

    ~ من أمة محمد: يبين هذا القيد أهل الإجماع وهم أهل الإسلام فقط دون باقي الملل والنحل ، ويكشف العلماء السر باختصاص الأمة المحمدية بالإجماع وذلك لكون أمة النبي صلى الله عليه وسلم، هي كل الأمة وجميع المسلمين لأنه صلى الله عليه وسلم، بعث إلى الناس عامة، بخلاف غيره من الأنبياء حيث كانوا يبعثون إلى أقوامهم خاصة، لذا فهم ليسوا كل المؤمنين ولا جميع الأمة فلوا أجمعوا على رأي فليس إجماع جميع المؤمنين .

    ~ بعد وفاته: أي أنه لا ينعقد الإجماع في حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الرسول إن وافق المجمعين على الحكم، كان الحكم ثابتا بالسنة، لا بالإجماع، وإن خالفهم سقط اتفاقهم.

    ~ في عصر من العصور: وقد تنازع العلماء تنازعاً كبيراً في تحديدهم لضابط العصر الذي تثبت به العصمة،
هل هو ما يكون بعد مدة البحث والتأمل والنظر في المسألة بحيث إذا اتفقوا بعده ولو للحظة يكون هذا (إجمـــاعا) .
أم يكون (الإجماع) بعد وفاة آخر المجتهدين الذين نظروا في النازلة، هذان منهجان للعلماء لتحديد العصر ..
مع ملاحظة أن الجميع يقول : (الماضي لا يعتبر ، والمستقبل لا ينتظر )، و تسمى هذه المسألة عند الأصوليين ( انقراض عصر المجمعين هل هو شرط في الإجماع ) على قولين:
    القول الأول: أنه ما بعد فترة البحث والدراسة للمسألة والقضية، فإذا ما انتهى المجتهدون من النظر في القضية فإن نظرية العصمة تطبق ههنا، وإن أجمعوا على قول فهو الحق الذي لا حق سواه، وهذا قول الجمهور.
    القول الثاني: أن العصر المشترط في الإجماع هو من بعد النظر في القضية ودراستها ويمتد إلى وفاة آخر المجتهدين الذين نظروا في تلك القضية، وهذا ما يعبر عنه بـ (انقراض عصر المجتهدين).


    ~ على حكم شرعي: أي لا يكون الإجماع إلا على حكم شرعي ، كالوجوب أو الحرمة أو الصحة أو الفساد، ولا يكون الإجماع على الامور اللغوية أو القضايا العقلية، أو الدنيوية.

  ركن الإجماع وشرائطه:

·        ليس للإجماع  إلا ركن واحد بالمعنى الدقيق لكلمة (الركن) وهو اتفاق المجتهدين،فما لم يحصل الاتفاق بينهم لا ينعقد الإجماع.

·        ويشترط للإجماع ستة شروط:

1.     أن يكون القائمون بالإجماع عددا من المجتهدين، فلا يتحقق الإجماع بمجتهد واحد، لأن معنى الإجماع لا يتصور إلا بعدد من العلماء.
2.     أن يكون الإتفاق من جميع المجتهدين على الحكم الشرعي، فلو اتفق أكثر المجتهدين، لا ينعقد الإجماع مهما قل عدد المخالفين، وكثر عدد المتفقين، لأنه ما دام قد وجد إختلاف وجد احتمال الصواب في جانب والخطأ في جانب، فلا يكون اتفاق الأكثر حجة شرعية قطعية ملزمة.
3.     أن يكون الإتفاق بإبداء كل واحد من المجتهدين رأيه صراحة في الواقعة، سواء أكان الإبداء قولا أم فعلا أم متفرقين أم مجتمعين.
4.     أن يتوافر الإتفاق من جميع المجتهدين المسلمين في وقت الحادثة من مختلف الأمصار الإسلامية، فلا ينعقد إجماع في بلد معين كالحجاز والحرمين ومصر والعراق، ولا ينعقد بآل البيت وحدهم أو بأهل السنة دون مجتهدي الشيعة، لأن الإجماع لا ينعقد إلا بالإتفاق العام من جميع مجتهدي العالم الإسلامي في وقت الحادثة، ولا عبرة بقول غير المجتهدين.
5.     أن يكون الإتفاق من أهل الإجتهاد الموصوفين، بالعدالة ومجانبة البدعة، لأن النصوص الدالة على حجة الإجماع تدل على ذلك.
6.     أن يعتمد المجمعون على مستند شرعي في إجماعهم من نص أو قياس لأن الإفتاء بدون مستند خطأ، لأن المجمعين ليس لهم بمحض عقولهم الإستقلال بإثبات الأحكام الشرعية.

·      إمكان إنعقاد الإجماع:

·       عند النظّام و بعض الشيعة وبعض المعتزلة :
      أن هذا الإجماع مستحيل الوقوع، واستدل لأصحاب هذا المذهب على ذلك بأن أهل الإجماع قد انتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الانتشار يمنع نقل الحكم، منهم وإليهم عادة، وإذا امتنع نقل الحكم امتنع الاتفاق منهم على حكم معين، ويجاب عن ذلك بأن أهل الإجماع عدد قليل معروفون بأعيانهم، وهم المجتهدون، وعليه فيمكن أن تنقل الواقعة إلى جميعهم، ويستطلع رأيهم فيها.

·       عند جمهور العلماء :
      إمكان وقوع الإجماع فيها، وإلى هذا ذهب الجمهور، وهو الصحيح، وليس أدل على ذلك من الوقوع، وأمثلة وقوع الإجماع كثيرة، مثل الإجماع على تقديم الدَّيْن على الوصية، وحرمة شحم الخنزير كلحمه، والإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: لونه أو طعمه أو رائحته بنجاسة، لا يجوز الوضوء منه.

·      حجية الإجماع:

قد دل على حجية الإجماع أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية .

·        فمن أدلة القرآن الكريم :
     - قوله تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } النساء/ 115 .
          ووجه الدلالة من الآية : أن الله تعالى توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين بالعذاب ؛ فدل ذلك على وجوب اتباع سبيل المؤمنين ، وهو ما أجمعوا عليه .
    قال ابن كثير رحمة الله عليه:
" والذي عول عليه الشافعي، رحمه الله، في الإحتجاج على كون الإجماع حجة تحرُمُ مخالفته هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الإستنباطات وأقواها ".
·       ومن الأدلة من السنة على حجية الإجماع :
     وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث بملازمة جماعة المسلمين، ونهى عن مفارقتهم و مخالفتهم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : (من فارق الجماعة شبرا فقد خلع رِبقَةَ الإسلام من عنقه)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت، إلا مات ميتة جاهلية). كما وردت أحاديث تدل على عصمة الأمة من الخطأ، ومن هذه الأحاديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)،(إن الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد).

·      أنواع الإجماع:

الإجماع بحسب طريقة تكوينه نوعان:
1.    إجماع صريح:
    أن يتفق مجتهدوا العصر بأقوالهم وأفعالهم على حكم واقعة ، بإبداء كل منهم رأيه صراحة بفتوى أو قضاء مع اتحادها. و هو الإجماع الحقيقي وهو حجة شرعية في مذهب الجمهور .
2.    إجماع سكوتي:
    أن يبدي بعض مجتهدي العصر رأيهم صراحة في الواقعة بفتوى أو قضاء و يسكت باقيهم عن إبداء رأيهم فيها بموافقة من أبدى فيها أو مخالفته . و هو اجماع اعتباري لأن الساكت لا جزم بأنه موافق ، و لهذا اختلف في حجيته ، فذهب الجمهور أنه ليس حجة .

·      مستند الإجماع :
     لابد لكل اجماع من مستند شرعي ، أي دليل شرعي ، قطعيا كان او ظنيا ، كالقرآن و السنة و القياس و المصلحة المرسلة ... لأن الإنتفاء بغير مستند خطأ و الأمة منزهة عنه . قال تعالى " و لا تقف ماليس لك به علم .. الآية " وقد ذهب أكثر علماء الأمة إلى أن الإجماع لا ينعقد إلا عن مستند، لأن حق إنشاء الأحكام الشرعية لله ولرسوله، وليس لأهل الإجماع وقالوا: إن عدم الدليل يستلزم الخطأ في الأحكام لأن الدليل هو الطريق الموصل إلى الصواب.
ثم إن اختلاف الآراء و تفاوتها إنما يمنع عادة الاتفاق على شيء إلا إذا كان هناك سبب يوجب الاتفاق ، وهو ذلك الدليل .

·        فمن أمثلة الإجماع المستند إلى كتاب الله تعالى:
     إجماع المسلمين على تحريم نكاح الجدات مهما علون، ومن أية جهة كن، وكذلك تحريم التزويج ببنات الأولاد ومهما نزلت درجتهن، وذلك إستنادا إلى قوله عز وجل: «حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم» ، فالمراد بالأمهات في هذه الآية الكريمة الأصول من النساء مهما علون، والجدة كأصل كالأمهات، كما أن المراد بالبنات الفروع من النساء.

·        ومن الإجماع المستند إلى السنة النبوية الشريفة:
    إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على إعطاء الجدة السدس في الميراث، و الذي جاء بناء على ما رواه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة من أنه عليه الصلاة والسلام أعطاها السدس.

·        وقد يكون الإجماع إستنادا إلى القياس:
    كما في إجماع المسلمين على خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قياسا على إمامته لهم في الصلاة أثناء مرض الرسول عليه الصلاة والسلام.

·        وقد يكون الإجماع مستندا على المصلحة عند من يقول بحجيتها:
     و قد وقع ذلك في عهد الصحابة، فعمر بن الخطاب أشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن في مصحف واحد، والذي قبل بعد تردد كبير حيث قال له: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله (ص)؟ فقال عمر: إنه والله خير ومصلحة للإسلام، وقد وافق بقية الصحابة على جمع القرآن في مصحف واحد إستنادا إلى مصلحة الإسلام والمسلمين في ذلك.
ومثله أيضا زيادة أذان ثالث لصلاة الجمعة في عهد عثمان، لإعلام الناس بالصلاة، وتنبيه كثير من المسلمين القاطنين في منازل بعيدة عن المسجد، حتى لا تفوتهم الصلاة، وكان مستندهم هو المصلحة ودفع المفسدة المترتبة على بقاء الأمر على ما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.



[1] المجتهد:  (هو الفقيه الذي يستفرغ وسعه لتحصيل حكم شرعي).

                        تمت المحاضرة بحمد الله
                    ولتحميلها بصيغة PDF أو WORD إضغطوا على الأيقونات في الأسفل


"إن أصبت فبتوفيق من الله، فأعينوني بالدعاء،
وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، فقوموني"



0 تعليقات على " المحاضرة الرابعة في الأدلة الشرعية - أيت المكي "