السبت، 16 مارس 2019

المحاضرة السادسة في مادة علوم القرآن

الناسخ والمنسوخ


بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة السادسة في مادة:
علوم القرآن فوج ¾
**************************
« الناسخ و المنسوخ »
·       مقدمة:
   ~ أهمية هذا العلم بين العلماء:
   يُعتبر علم النَّسخ من المباحث المهمة التي اهتم بها العلماء قديمًا وحديثًا، وأخص بالذكر الأصوليين والمحدِّثين والمهتمِّين بعلوم القرآن؛ وذلك لأهمية هذا العلم عند كل هؤلاء ، فأما الأصوليون فموضوع بحثهم استنباط الأحكام من الأدلة - المتفق عليها والمختلف فيها ، ولما كان النَّسخ يعني رَفْعَ حُكم متأخر بدليل آخر متراخٍ عنه، فقد عُنوا كثيرًا بمسألة النَّسخ ، وأما المحدِّثون فقد اعتنوا به باعتباره طورًا مهمًّا في الأطوار أو المراحل المتبعة عند ظهور تعارض بين حديثين ، حيث إنه إذا تعذر الجمع لجئُوا إلى الترجيح ، فإن تعذر وعُلِم التاريخُ اعتمدوا النَّسخ، وأما علماء القرآن فاهتمامهم بالنَّسخ يعود لكونه وقع بلا ريب في القرآن الكريم، ويتوقف على وجوده من عدمه بقاءُ أحكام أو ارتفاعها ، لذا فقد اعتنوا به عناية كبيرة ، ومنهم من جعله علمًا مستقلاً من علوم القرآن،    كالإمام السيوطي رحمه الله تعالى ، حيث عقد له الباب السابع والأربعين - في ناسخه منسوخه -  وقال في بداية حديثه عن علم النَّسخ: "والعلم به عظيم الشأن.." ، وقبله الإمام بدر الدين الزركشي جعله في الباب الرابع والثلاثين من كتابه البرهان: "معرفة ناسخه ومنسوخه" وقال في بداية حديثه عن علم النَّسخ: "والعلم به عظيم الشأن..".
   كما أفرد ابن الجوزي رحمه الله تعالى بابًا خاصًّا لبيان فضيلة هذا العلم وضرورة تعلمه، وأورد فيه تسعة آثار بأسانيدها عن علي وحذيفة بن اليمان وابن عباس رضي الله عنهم، وكلها تتحدث عن وجوب معرفة الناسخ والمنسوخ لمن يُفتي الناس أو يحدِّثهم في أمور الدِّين وأحكامه.
   وقد كثُرت أقوال العلماء في بيان أهمية موضوع النَّسخ، وذلك منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم؛ فقد رُوي عن علي رضي الله عنه أنه مرَّ على قاص، فقال له: "هل تعلمت الناسخ والمنسوخ؟"، قال: لا، فقال: "هلكتَ وأهلكتَ".
   وعن الحَبْر ابنِ عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 269] قال: "يعني: المعرفة بالقرآن ، ناسخه ومنسوخه ، ومحكَمه و متشابهه ، ومقدَّمه ومؤخَّره ، وحلاله وحرامه ، وأمثاله ".
   ومما يبين عِظم شأن علم النَّسخ ما ذكره العلامة الزرقاني رحمه الله تعالى في مناهله:
♦ الإلمام بالناسخ والمنسوخ يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويُطلع الإنسان على حكمة الله في تربيته للخَلق، وسياسته للبشر، وابتلائه للناس، مما يدل دلالة واضحة على أن نفسَ محمد النبي الأمي لا يمكن أن تكون المصدرَ لمثل هذا القرآن، ولا المنبع لمثل هذا التشريع، إنما هو تنزيل من حكيم حميد.
♦ أن معرفة الناسخ والمنسوخ ركن عظيم في فهم الإسلام، وفي الاهتداء إلى صحيح الأحكام، خصوصًا إذا ما وجدت أدلة متعارضة لا يندفع التناقض بينها إلا بمعرفة سابقها من لاحقها، وناسخها من منسوخها؛ ولهذا كان سلفُنا الصالح يعنَوْن بهذه الناحية، يحذقونها، ويلفتون أنظار الناس إليها، ويحملونهم عليها...".

   ~ أهمية هذا العلم من خلال التصنيف فيه:
 كما أُلفت كتب كثيرة في هذا المبحث العظيم، ومما أُلِّف فيه:
-         كتاب « الناسخ والمنسوخ » لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس 338 هـ ) ، وهو صاحب كتابي « معاني القرآن » و « إعراب القرآن ».
-         كتاب « معاني القرآن » لأبي زكريا يحيى بن زياد 207 هـ).
-         كتاب « معاني القرآن » للأخفش ، وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة 215هـ).
-         كتاب « الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه » لأبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي 437هـ) .
-         كتاب « الناسخ والمنسوخ » لأبي بكر محمد من عبد الله ابن العربي المعافري 543هـ).
-         كتاب « نواسخ القرآن » لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي 597هـ).
-         كتاب « الطود الراسخ في المنسوخ والناسخ » لعلم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي 643هـ).
   وممن ألَّفَ في هذا العِلم من المعاصرين:
-         الدكتور مصطفى زيد وله كتاب « النسخ في القرآن الكريم » ، وهذا الكتاب كان رسالة المؤلف لنيل الدكتوراه، وقد استغرق في كتابتها عشر سنوات. و يعد هذا الكتاب من أفضل الدراسات التي كتبت حول موضوع النسخ في القرآن الكريم، وهو جدير بالقراءة والاطلاع، وقد أصبحت طبعته القديمة نادرة الوجود في المكتبات اليوم، فكانت إعادة طباعته خدمة جيدة لطلبة العلم.

·       تعريف:
النسخ في اللغة :
   يذكر اللغويون لمادة كلمة النسخ عدة معان تدور بين النقل ، والإبطال ، والإزالة ،
قال في لسان العرب : " نسخ الشيء ينسخه نسخا ، وانتسخه واستنسخه: كتبه عن معارضة ، ونقل عن التهذيب قوله :- النسخ : - اكتتابك كتابا عن كتاب حرفا بحرف، والكاتب : ناسخ ومنتسخ ، والاستنساخ : كتب كتاب من كتاب ، أي:- نستنسخ ما تكتب الحفظة ، فيثبت عند الله ، والنسخ :- إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه ، ونسخ الآية بالآية : إزالة مثل حكمها ، والنسخ :- نقل الشيء من مكان إلى مكان " .

   وعلى هذا فالنسخ يطلق في اللغة على إطلاقين :
الأول: بمعنى الإزالــة ، وهو على ضربين :
1-    الإزالة: إزالة الشيء دون أن يقوم غيره مقامه ، كقولهم : نسخت الريح الأثر ، ومن هذا قول الله تبارك وتعالى : { فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ } [الحج: 52] أي : يزيله فلا يتلى ، ولا يثبت في المصحف بدله .
2-    الإبطال: إبطال الشيء و زواله ، وإقامة آخر مقامه ، ومنه: نسخت الشمس الظل ، إذا أذهبته وحلت محله ، وهو معنى قول الله تعالى: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [ البقرة: 106].
الثاني: بمعنى الــنــقــل:
   وهو تحويل شيء من مكان إلى آخر ، أو من حال إلى أخرى مع بقائه في نفسه ومنه قوله تعالى: { هٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية:29] .

   فمادة النسخ في اللغة تدور حول عدة معان هي :- النقل ، والإبطال ، والإزالة - ، فيقال مثلا : نسخ زيد الكتاب : إذا نقله عن معارضة ، ونسخ النحل : إذا نقله من خلية إلى أخرى ، ويقولون : نسخ الشيب الشباب إذا أزاله وحل محله ، ونسخت الريح آثار القوم : إذا أبطلتها وعفت عليها . وأمام هذه المعاني المتعددة للمادة ، نراهم يختلفون في أيها هو المعنى الحقيقي ، وأيها مجاز له ، ثم يتجاوز هذا الخلاف إلى الأصوليين والمؤلفين في الناسخ والمنسوخ .

   فهذا شيخ اللغويين (الخليل بن أحمد ت 170 للهجرة ) يقرر : أن الإزالة هو المعنى الغالب على هذا اللفظ ، لاسيما عند تطبيقه ، يقول الخليل: " والنسخ والا نتساخ : اكتتابك في كتاب عن معارضة ، والنسخ: إزالتك أمرا كان يعمل به ، ثم تنسخه بحادث غيره ، كالآية في أمر ، ثم يخفف فتنسخه بأخرى ، فالأولى منسوخة ، وتناسخ الورثة : موت ورثة بعد ورثة والميراث لم يقسم ، وتناسخ الأزمنة : القرن بعد القرن  ".

   وليس بين اللغويين عموما خلاف كبير في دلالة مادة النسخ على المعاني التي ذكرناها ، اللهم إلا في تحديد أيها هو المعنى الحقيقي ، وأيها مجاز له ..

   وقد حكى ابن فارس هذا الخلاف بقوله : (النون والسين والخاء أصل واحد ، إلا أنه مختلف في قياسه. قال قوم : قياسه رفع شيء وإثبات غيره مكانه ، وقال آخرون : قياسه تحويل شيء إلى شيء ) .

   وهذا صاحب ( أساس البلاغة ) يقول: ( نسخت كتابي من كتاب فلان: نقلته ، ومن المجاز : نسخت الشمس الظل : والشيب الشباب .) .

   ويقول الراغب الأصفهاني : (النسخ: إزالة شيء بشيء يتعقبه، كنسخ الشمس الظل..)

  
تمت المحاضرة بحمد الله

لتحميل المحاضرة بصيغة PDF إضغط هنا 
0 تعليقات على " المحاضرة السادسة في مادة علوم القرآن "