الجمعة، 15 مارس 2019

المحاضرة السادسة في الأدلة الشرعية - أيت المكي


بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة السادسة في مادة:
أصول الفقه - الأدلة الشرعية فوج ¾
**************************
« الدليل الرابع: القياس (تتمة) »

·       أركان القياس (تتمة):

3.   الفرع:

    وهو الواقعة التي لم يرد النص أو الإجماع بحكمها ، ويسمى المقيس عليه.
ما يشترط  في الفرع:
    الشروط المعتبرة في الفرع أربعة ، وهي:
أ‌.        أن يكون في الفرع علة مماثلة لعلة الاصل إما في ذاتها وإما في جنسها: مثل قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار.
ب‌.   ألا يتغير في الفرع حكم الأصل.
ت‌.   ألا يترتب على القياس تقدم الفرع على الأصل: كقياس الوضوء على التيمم في اشتراط النية ، مع أن التيمم متأخر المشروعية على الوضوء ، فيترتب عليه ثبوت الحكم على الأصل قبل علته. وقد عرفنا أن هذا شرط أيضا في حكم الأصل.
ث‌.   ألا يكون في الفرع نص أو إجماع يدل على حكم مخالف للقياس: لأن القياس يكون حينئذ مصادما للنص أو الإجماع. مثلا لا يصح عند العلماء جواز ترك الصلاة في السفر على ترك الصيام بجامع وجود السفر ، ويعد القياس باطلا ، لأن العلماء أجمعوا على أن الصلاة لا يحل تركها في السفر.

4.   العلة:

    وهي الوصف الموجود في الأصل ، والذي من أجله شرع الحكم فيه ، وبناء على وجوده في الفرع تأتي إرادة تسويته بالأصل في هذا الحكم. أو بعبارة أخرى: هي الوصف الظاهر المنضبط الذي بنى عليه الشارع الحكم في الأصل.
   ومعنى ذلك: أن العلة التي بنى عليها الشارع الحكم في الأصل إذا وجدت في الفرع صار حكمهما واحداً لاشتراكهما في العلة التي هي مدار الحكم.

   ~ الحكمة:

   ما شرعه الله حكما لتحقيق مصالح العباد أو لدفع المفسدة والضرر عنهم ، فهي الغاية المقصودة من تشريع الاحكام وهي حكمة الحكم ( فإباحة الفطر للمريض: حكمته دفع المشقة على المريض ، وايجاب القصاص: حكمته حفظ حياة الناس )
    وإن الحكمة في تشريع الاحكام قد تكون أمرا خفيا غير ظاهر أي لا يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة ، ولا يمكن بناء الحكم عليه ولا ربط وجوده بوجوده ، و عدمه بعدمه .

الفرق بين الحكمة والعلة:

   - أن الحكمة: هي الباعث على تشريع الحكم والغاية المقصودة هي تحقيق وهي المصلحة المقصود تحقيقها.
   - وأما العلة: فهي الامر الظاهر المنضبط الذي بني عليه الحكم وجوداً وعدماً .
   - أما السبب: فهو أعم في مدلوله من العلة عند جمهور الأصوليين ، فكل علة سبب وليس كل سبب علة.

ما يشترط  في العلة:

    الشروط المعتبرة في العلة أربعة ، وهي:
أ‌.        أن تكون العلة وصفا مناسبا للحكم: أي أن تكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم الشرعي ، فيغلب على الظن تحقيق الحكمة التشريعية ، وهي جلب المصلحة أو النفع ، ودفع المفسدة أو الضرر.
   - فالإسكار: وصف مناسب لتحريم الخمر. لدفع الضرر عن الناس.
   - والسفر في رمضان: وصف مناسب للحكم بإباحة الفطر.  لتحقيق التيسير ودفع المشقة.
   - والقتل العمد العدوان: وصف مناسب لتشريع القصاص. ........ احفظ الأرواح وعدم إهدار حرمة الدم.
ب‌.   أن تكون العلة وصفا ظاهرا جليا : أي مدركا بإحدى الحواس الظاهرة ، لأن العلة هي الوصف المعرف للحكم ، فلابد من أن تكون أمرأ ظاهراً.
ت‌.   أن تكون العلة وصفاً منضبطا : أي بأن تكون لها حقيقة معينة محددة لا تختلف اختلافا كبيرا باختلاف الأفراد والأحوال.
ث‌.   أن تكون العلة متعدية وليست وصفا قاصراً عل الأصل : أي أن تكون وصفاً يمكن تحققه في عدة حالات ويوجد في غير الأصل إذ لو كانت العلة قاصرة على الأصل ، لم يصح القياس ، لأن قصور العلة يمنع تحققها في الفرع. فلا يصح تعليل تحريم الخمر بأنها عصير العنب المتخمر ، لأن هذه العلة لا توجد في غير الخمر ، ويصح بالإسكار لوجوده في الخمر وغيرها.
   - والعلة إما أن تكون متعدية: وهي ما تجاوزت المحل الذي وجدت فيه إلى غيره من المحلات الأخرى.
   - أو تكون علة قاصرة: وهي التي لم تتجاوز المحل الذي وجدت فيه ، سواء أكانت منصوصة أم مستنبطة.

·        مسالك العلة:

   فمسالك العلة: هي الطرق الذي يتوصل بها المجتهد إلى معرفة العلة وأهم هذه المسالك ما يلي:

1.    النص: 
أي أن يَرِد نصٌ من القرآن أو السُّنة على أن وصفاً من الأوصاف علة لحكم شرعي ، ويقال لهذه العلة: علة منصوصة ، وهي إما أن تكون صريحة أو إيماء (بمعنى تلميحا وإشارة ).
~ العلة الصريحة : وهي أن يشمل النص على الفاظ التعليل المعروفة في اللغة مثل : اللام - كي - لئلا- من أجل كذا- لعلة كذا - لموجب كذا- أو لسبب كذا...
      ~ العلة بطريق الإيماء : كاقتران الحكم بالوصف {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38].

2.    الاجماع:
وهو أن يدل الإجماع على أن وصفاً معيناً هو علة لحكم شرعي ، مثال اجماع العلماء على أن علة الولاية المالية على الصغير هي الصغر .

3.    المناسب:

أ‌.        المناسب المؤثر: الامر الذي رتب الشارع حكما على وفقه وثبت بنص أو إجماع اعتباره بعينه علة الحكم الذي رتب على وفقه ، مثال قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ }[البقرة:222]. والحكم الثابت بهذا النص هو ايجاب اعتزال النساء في المحيض وقد رتب على أنه اذى و النص صريح في أن علة هذا الحكم هو أذى ، فالأذى لإيجاب اعتزال النساء في المحيض وصف مناسب مؤثر .
ب‌.   المناسب الملائم : وهو الوصف المناسب الذي رتب الشارع حكما عليه ، ولم يثبت بنص أو إجماع اعتباره بعينه علة لهذا الحكم المرتب عليه. وإنما ثبت كونه علة لجنس الحكم أو علة للحكم بجنسه. ومثال: الوصف المناسب الذي اعتبر الشارع وصفا من جنسه علة للحكم الذي يبحث المجتهد عن علته: المطر لإباحة الجمع بين الصلاتين وقت الإقامة ، فالحكم هو إباحة الجمع بين الصلاتين رتب على وفق حال المطر ولم يدل نص ولا إجماع على أن المطر هو علة هذا الحكم . ولكن يدل بهما أن علة إباحة الجمع السفر. والسفر والمطر نوعان من جنس واحد لأن كلا منهما عارض مظنة الحرج و المشقة و المطر هنا يقاس عليه حال الثلج والبرد...

ج‌.    المناسب المرسل: الوصف الذي لم يرتب الشارع حكما على وفقه ولم يدل دليل شرعي على اعتباره بأي نوع من انواع الاعتبار ، و لا على الغاء اعتباره. فهو مناسب اي يحقق مصلحة . ولكنه مرسل اي مطلق عن دليل اعتبار و دليل الغاء ، كالمصالح التي اعتمد عليها الصحابة في وضع الخراج على الأراضي الزراعية ، وضرب النقود ، وتدوين القرآن ونحو ذلك من المصالح.
وهذا مختلف فيه بين المذاهب ، فالحنفية والشافعية قالوا: لا يجوز التعليل به ولا بناء الأحكام عليه ، لأن الشرع لم يعتبره.
وقال المالكية والحنابلة: يصح التعليل به وبناء الأحكام عليه ، لأن الشرع لم يلغ العمل به.

د‌.       المناسب الملغي: وهو الوصف الذي يظهر أن في بناء الحكم عليه تحقيق للمصلحة . ولم يرتب الشارع حكما على وفقه ، ودل الشارع على إلغائه وعدم اعتباره مثل : تساوي الابن والبنت في البنوة للمتوفي ، يعد وصفا مناسبا لتساويهما في الارث ، والشرع ألغى هذا الوصف في أحكام المواريث ، فقال تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ} [النساء:11].

4.    السبر والتقسيم :
السبر في اللغة: الاختبار ، والتقسيم: هو حصر الاوصاف الصالحة لأن تكون علة في الأصل. فإذا ورد نص بحكم شرعي في واقعة ، ولم يدل نص ولا إجماع على علة هذا الحكم ، سلك المجتهد للتوصل إلى معرفة هذا الحكم مسلك السبر والتقسيم.
    مثال: أن يقول المجتهد: تحريم الخمر بالنص ، إما لكونه من العنب ، أو لكونه سائلاً ، أو لكونه مسكراً ،    ثم يقول : الوصف الأول قاصر غير متعدٍ ، والثاني طردي غير مناسب ، فبقى الوصف الثالث وهو الإسكار ، فيقرر أنه علة .

~ الطريق لتعرف العلة:

~ تخريج المناط : النظر والاجتهاد في استنباط الوصف المناسب للحكم الذي ورد النص أو الاجماع ليجعل علة للحكم ، بأي طريق من طرق مسالك العلة ، كالمناسبة أو السبر والتقسيم ، فهو خاص بالعلل المستنبطة ، كاستخراج الطعم أو القوت أو الكيل بالنسبة لتحريم الربا بواسطة السبر والتقسيم ، والإجتهاد في إثبات كون القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في الجناية بالآلة المحددة كالسيف والسكين ونحوهما .

~ تنقيح المناط: هو تعيين السبب الذي أناط الشارع الحكم به من بين الأوصاف المذكورة في النص بحذف مالا يصلح من الأوصاف غير المعتبرة . أي بمعنى العلة هنا موجودة ولكن نريد أن نخلصها من الشوائب الشاذة. 

   ~ تحقيق المناط : هو النظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور الفرعية التي يراد قياسها على أصل ، سواء أكانت علة الأصل منصوصة أم مستنبطة ، كالنظر في تحقق الإسكار الذي هو علة تحريم الخمر في أي نبيذ آخر مصنوع من تمر أو شعير .

تمت المحاضرة بحمد الله

لتحميل المحاضرة بصيغة PDF إضغط هنا
0 تعليقات على " المحاضرة السادسة في الأدلة الشرعية - أيت المكي "