-->

الأربعاء، 27 مارس 2019

المحاضرة الثامنة في مادة علوم القرآن

علوم القرآن


بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الثامنة في مادة:
علوم القرآن فوج ¾
**************************
« التفسير و المفسرون »
·        التفسير و المفسرون:

   تفسير كتاب الله عز وجل ممتد من حيث الزمن ، من القرن الاول الهجري الى يوم الناس هذا ، حيث ظهر مع تنزل كتاب الله عز وجل ، ومازالت المؤلفات تثرى منذ ذلك الوقت الى يومنا هذا.
    والتفسير من حيث المكان ظهر أول ما ظهر في الجزيرة العربية ثم بلغ كل الأمصار التي وصلها الاسلام بعد تفرق الصحابة في هذه الأمصار.
    والذين ألفوا في تفسير كتاب الله عز وجل منذ ذلك الوقت ، وفي تلك الربوع الاسلامية يعدون بالآلاف وما طُبع من كتب التفسير يُعد بالمئات.
    ويكفينا أن نتصفح ترجمه أحد الأعلام لنجد أن مؤلفاته في تفسير كتاب الله تعالى او ما تعلق بكتاب الله عز وجل ، نجدها بالأعداد الكبيرة.
   فيكفي أن نذكر كتاب "طبقات المفسرين" لمحمد بن علي بن أحمد الداوودي ، الذي جمع في كتابه مئات تراجم الأعلام الذين يحق أن يُنسبوا إلى أهل التفسير أو المفسرين، مع العلم أن بعض الأعلام ألَّف أكثر من كتاب في التفسير كالإمام السيوطي رحمه الله (ت911هـ) .
    ~ ومن ضمن ما ألَّف السيوطي: كتاب " الدُّر المنثور في التفسير بالمأثور" ، وطُبع هذا الكتاب في أجزاء عدة.
    وكان في وُدِّهِ أن يُألف كتابا واسعا في التفسير اختار له عنوان "مجمع البحرين ومطلع البدرين" لكن المنية عاجلته وحالت بينه وبين أن يُكمل هذا المشروع الجليل ، وقد جعل كمقدمة لكتابه هذا ، كتاب الاتقان في علوم القران وهو من سته اجزاء .
    كما ألَّف كتاب" تفسير الجلالين" بالإشتراك مع جلال الدين المحلي 864هـ) رغم انهما لم يتعاصرا ، وإنما طريقه اشتراكهما ، هي أن جلال الدين المحلي ألَّف تفسيرا لكتاب الله عز وجل ، بدأه بسورة الكهف إلى سورة الناس ، ولما جاء جلال الدين السيوطي ، اطلع على هذا الكتاب بعد وفاة جلال الدين المحلي فأخذ على عاتقه أن يتممه على نفس المنهج ، فبدأ تفسير القران من أوله إلى سورة الإسراء.
   وألَّف السيوطي أيضا كتابا في تفسير أحكام القرآن وسماه: " الإكليل في استنباط التنزيل" ، وتناول فيه بيان أحكام القرآن المتعلقة بأفعال المكلفين على اصطلاح الفقهاء.
فالسيوطي رحمه الله ألَّف أكثر من أربعة تفاسير وصلت إلينا كلها مطبوعة.
   ~ والإمام أبو حيان الغرناطي (ت745هـ) ألَّف أكثر من ثلاثة تفاسير أشهرها كتاب البحر المحيط.
   ~ وقبلهما أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت440هـ) ألَّف تفسيرين جليلين أبسطهما سماه: " التفصيل الجامع لعلوم التنزيل" والثاني سماه: " التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل".
    وهذا الاهتمام الواسع من العلماء بعلم التفسير ما هو إلا دليل على الأهمية التي يكتسبها هذا العلم لأنه العلم الذي من خلاله يُفهم كتاب الله تعالى الذي هو أصل الأدلة ، و أُس الشريعة.
   لذلك لابد للمسلم أن يقرأ آيات الله ويتلوها ويتفهمها ، وينظر في معانيها و يتبينها ، و يتفكر فيها ويتدبرها ، ليهتدي بهدى القرآن ويعمل به ، لأن الله تعالى أمر بذلك فقال عز وجل: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } [ص:29] ، وقال تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد:24] ، وقال سبحانه: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [النساء:82] .
   و إذا كانت هذه الأوامر الإلهية بالتفهم والتفكر والتدبر لمطلق الناس ، قال تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ } [البقرة:158] ، فإن الأمر في حق المشتغلين بعلوم الشريعة أكد وأوجب ، لأنهم حمَلَةُ العلم الذين يُفترض فيهم أن يكونوا حُماة الدين وحُفاظ الشريعة ، قال تعالى: { ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ  فِيهِ  هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2] .
   والتدبر مأمور به جميع من وصلهم كتاب الله عز وجل ،  ومن مقاصد نزول القرآن بيانه وتبيينه، فالرسول صلى الله عليه وسلم خوطب بمهمة البيان ، فقال عز وجل: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل:44] ، فكل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم هو مما فهمه من القرآن ، فالسُّنة جميعها بهذا الاعتبار ، كلها بيان و تفسير لكتاب الله ، والرسول صلى الله عليه وسلم في بيانه لا ينطق عن الهوى ، قال عز وجل: {  وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [النجم:3/4] ،  وبيانه هو قبس من بيان الله عز وجل  الذي نسبه عز وجل لِذاته العَلِية فقال: { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ(19) } [النحل] ،  فلذلك بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيان الله ، وكل من يزعم القدرة على الإستنباط من القرآن الكريم بمعزل عن سنته صلى الله عليه وسلم فإن زعمه على غير أساس ولا هدى.
   ومن مقاصده التفسير والمفسرين أن نعرف بعض المصطلحات التي يكثر وُرودها و يتناولها العلماء الذين ألَّفوا في تفسير كتاب الله عز وجل.
    ولفظ التفسير لم يكن بالصورة التي نجدها في العصور اللاحقة ، فالكتب القديمة التي عُنيت ببيان معاني القرآن الكريم، آثرت أن تستعمل مصطلح المعاني ، ويتعلق الأمر بالمؤلفين الذين ألَّفوا في معاني القران ونذكر منهم:
    - كتاب "معاني القرآن" لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء.
    - كتاب "معاني القرآن" لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش.
    - كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى ، ولفظ المجاز هنا مرادف عند ابي عبيده للفظ المعاني ولا يقصد به المجاز المقابل للحقيقة.
   وأما لفظ التفسير فقد استعمله طائفه من المتقدمين كالإمام أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري لما عقد كتابا سماه "تفسير القران" ، ثم بعد ذلك اشتهر هذا اللفظ مع ظهور أئمة ألَّفو في تفسير كتاب الله ، ومنهم من استعمل لفظ التأويل كما هو الشأن بالنسبة لأبي جعفر محمد بن جليل الطبري.

·        تعريف التفسير:

§        التفسير لـغة:
    هو التبيين والكشف والإيضاح ، وهو مأخوذ من الفسر ، يقال: فسَرت الشيء بالتخفيف أفسُره وأفسِره فسراً ، من باب ضرب ونصر ، وفسَّرت تفسيراً ، إذا  بينته.
    و منه قوله تعالى: { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } [الفرقان:33] أي تفصيلاً وبياناً.
   و قال ابن منظور: الفَسْر كشف المغطى.
   ومن العلماء من يرى أن (فسر) ، مقلوب (سفر) ، و معناه الكشف أيضا ، يقال: سفرت المرأة سفوراً إذا ألقت خمارها عن وجهها. وأسفر الصبح أضاء .
   قال الراغب أبو القاسم الحسين بن محمد الأصبهاني (ت502هـ) في مفرداته:  الفسر والسفر يتقارب معناهما كتقارب لفضيهما ، لكن جعل الفسر لإظهار المعنى المعقول ، وجعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار.

§        التفسير اصطلاحا:

o       التعريف الأول:
   عرفه أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي (ت745هـ) ، بقوله: علم يُبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك.
   - وقال: فقولنا: علم ، هو جنس يشمل سائر العلوم.
   - وقولنا: يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ، هذا هو علم القراءات الذي قسم منه له علاقة بالتفسير والقسم الآخر لا علاقة له بالتفسير.
   - وقولنا: ومدلولاتها ، أي مدلولات تلك الالفاظ ، وهذا هو علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم .
   - وقولنا: وأحكامها الإفرادية والتركيبية ، هذا يشمل علم التصريف وعلم الإعراب ، وعلم البيان وعلم البديع.
   ومعانيها التي تعمل عليها حالة التركيب ، شمل بقوله التي تحمل عليها ، ما لا دلالة عليه بالحقيقة ، وما دلالته عليه بالمجاز ، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئا ، ويصد عن الحمل على الظاهر صاد ، فيحتاج لأجل ذلك أن يحمل على غير الظاهر وهو المجاز.
   - وقولنا: وتتمات لذلك ، هو معرفة النسخ ، وسبب النزول ، وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن ، ونحو ذلك.
o       التعريف الثاني: عرفه بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت794هـ) بقوله: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه ، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ.
o       التعريف الثالث: وهو تعريف أوجز وأعم. عرفه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بقوله: هو اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن وما يستفاد منها باختصار وتوسع.
   وللتفسير تعريفات أخرى كثيره اجتهد العلماء في رسمها وصياغتها وهي كلها وإن اختلفت ألفاظها ، فإنها من جهة المعنى متقاربه ، وتعود إلى كون علم التفسير علما يبحث به عن مراد الله تعالى من آياته بقدر الطاقة البشرية، فيشمل كل ما يتوقف عليه بيان هذا المراد، كما قال الزرقاني في مناهل العرفان.

·        تعريف التأويل:

§        التأويل لـغة:
    فهو في اللغة مأخوذ من الأول ، وهو الرجوع. يقال: آل الشيء يؤول أوْلاً ومآلا: رجع. وآل عن الشيء ارتد. ومنه الحديث « من صام الدهر كله فلا صام ولا آل» أي لا رجع إلى خير.
   وأوَّل الكلام وتأوَّله: تدبره وقدره.  وأوَّله وتأوله: فسره.
    وقيل: إن التأويل مأخوذ من الإيالة و هي السياسة ،  فكأن المؤول يسوس الكلام ويضعه في موضعه .
  قال الزمخشري في أساس البلاغة: آل الرعية يؤولها إيالة حسنة ، و هو حسن الإيالة.
   والناظر في القرآن الكريم يجد هذا اللفظ ورد بمعان مختلفة.
o       فقد جاء بمعنى التفسير و التعيين ، وذلك في مثل قوله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } [آل عمران:7] .
o       وجاء بمعنى العاقبة والمصير ، وذلك في نحو قوله تعالى:  { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } [النساء:59] ،  أحسن عاقبة ومصيرا.
o       وجاء بمعنى تعبير الرؤيا و الإخبار بما يؤول إليه أمرها ، في نحو قوله تعالى:  { وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } [يوسف:6] ،  وقوله تعالى:  { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ } [يوسف:44] ،  وقوله تعالى:  قال { قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } [يوسف:37] .
o       وجاء أيضا بمعنى تأويل أفعال الخضرِ في سوره الكهف:  { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا } [الكهف:78] ،  وقوله عز وجل:  { ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا } [الكهف:82] .

§        التأويل اصطلاحا:

   أما التأويل اصطلاحا:  يختلف معناه بين المتقدمين والمتأخرين.
o       عند المتقدمين يطلق التأويل ويراد به معنيان:
      - المعنى الأول: تفسير الكلام وبيان معناه ، سواء أوافق ظاهره أو خالفه.
 وهذا الذي يقصده مجاهد بن جبر حين يقول:  إن العلماء يعلمون تأويله ، أي يعلمون تفسيره.
 وهو الذي يعنيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بقوله: القول في تأويل قوله تعالى . . كذا وكذا. أو بقوله
 واختلف أهل التأويل ، ونحو ذلك مما يزخر به تفسيره ، وهو على هذا مرادف للتفسير.
       - المعنى الثاني:  أن التأويل هو نفس المراد بالكلام. فإن كان الكلام خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به. وإذا كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب ، وعلى هذا يتخرج قول سفيان بن عيينة: السنة تأويل الأمر و النهي. و معناه أن السنة هي امتثال أوامر الشرع ، والإنتهاء عند نواهيه.

o       وأما التأويل في اصطلاح المتأخرين من الفقهاء والأصوليين وغيرهم ، فهو صرف اللفظ عن المعنى الظاهر أو الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به.

   لذلك فإن المؤول يحتاج الى أمرين:

 - الاول: أن يبين أن اللفظ يحتمل هذا المعنى الذي حمله عليه ، وزعم أنه المراد.
 - الثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجع إلى معناه المرجوح.


تمت المحاضرة بحمد الله

لتحميل المحاضرة بصيغة PDF إضغط هنا

0 تعليقات على " المحاضرة الثامنة في مادة علوم القرآن "