الأحد، 3 مارس 2019

المحاضرة الخامسة في مادة نظرية الإلتزام في الفقه الإسلامي

كلية الشريعة

بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة الخامسة في مادة: 
نظرية الإلتزام في القانون، فوج ¾
**************************
أركان العقد:
الـــــــتـــراضـــي:
   من خلال التعريف المعتمد عند الفقهاء  فإن وجود العقد يتحقق بوجود صيغة مادية تترجم غيجاب أحد العاقدين وقبول الآخر ، على أن تتم هذه العملية بشكل متطابق بحيث لا تفصل مادة طويلة بين صدور الإيجاب والرد بالقبول . مما يعني أن التحقق من وجود التراضي يتم ببحيث مسألتين فرعيتين:
   ~ صيغة العقد.  
   ~ مجلس العقد (تطابق الإرادتين).
1.  صيغة العقد:
   إعتنى فقهاء الشرع بمسألة  صيغة العقد عناية بالغة باعتبار الفقه الإسلامي ذو نزعة موضوعية تتجلى في وقوفه على الإرادة الظاهرة لا الإرادة الباطنة. ويتم التعبير عن الإرادة باللفظ كأول أداة يعول عليها في الصيغة ، حيث يأخذ اللفظ بمعناه الظاهر ، ثم بعد اللفظ تأتي الكتابة ثم الإشارة ثم تأتي المظاهر الخارجية (كالفعل والسكوت) التي تستخلص منها الإرادة.
   وقبل التعرض الموجز لهذه الصيغ لابد من التنبيه إلى مسالة في غاية الأهميىة ، وهي أن تقديم الفقهاء لصيغة العقد اللفظية لا يعني تمسكهم بالشكلية كما هي معروفة في القانون. فاللفظية والشكلية أمران مختلفان. بمعنى أن إيثار الفقه الإسلامي للفظ لا يعني اشتراطه للفظ بعينه في تحقق صيغة عقد مخصوص ، فأي لفظ أفاد معنى المبادلة - مثلا- جاز سواء استعمل افظ البيع أو الأخذ أو البدل ، لأن العبرة للمعنى لا للصورة.
أ‌.       التعاقد باللفظ:
   هو الأداة الطبيعية الأصلية في التعبير عن الإرادة الخفية وهو الأكثر استعمالاً في العقود بين الناس لسهولته وقوة دلالته ووضوحه، فيلجأ إليه متى كان العاقد قادراً عليه، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان. ولا يشترط فيه عبارة خاصة، وإنما يصح بكل ما يدل على الرضا المتبادل بحسب أعراف الناس وعاداتهم؛ لأن الأصل في العقود هو الرضا، لقوله تعال: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29] وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما البيع عن تراض».
   مادة اللفظ:
    وعليه فلا يشترط في العقود كالبيع والإيجار والرهن والهبة ونحوها لفظ معين أو عبارة مخصوصة، كأن يقول البائع: بعت بكذا، أو ملكته لك بكذا، أو أعطيته لك بكذا، أو وهبته بثمن كذا. ويقول المشتري: اشتريت، أو قبلت، أو رضيت، أو خذ الثمن وهات المبيع.
   أما عقد الزواج فاختلف الفقهاء في شأن الألفاظ المستعملة فيه، نظراً لخطورته وقداسته.
   فقال الحنفية والمالكية: يصح انعقاد الزواج بكل لفظ يدل على تمليك العين في الحال، كالتزويج والنكاح والتمليك، والجعل، والهبة والعطية والصدقة، بشرط توافر النية أو القرينة الدالة على أن المراد باللفظ هو الزواج، وبشرط فهم الشهود للمقصود ، لأن عقد الزواج كغيره من العقود التي تنشأ بتراضي العاقدين، فيصح بكل لفظ يدل على تراضيهما وإرادتهما. و قد ورد لفظ (الهبة) في القرآن الكريم دالاً على صحة استعماله لإبرام الزواج، كما ورد في السنة النبوية استعمال عبارة (التمليك).
   أما الوارد في القرآن فقوله تعالى: { وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ } [الأحزاب:50]  و الخصوصية للنبي صلّى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {خالصة لك}  ليست في انعقاد زواجه بلفظ «الهبة» وإنما في صحة زواجه بغير مهر.
   وأما الوارد في السنة فقوله عليه السلام لخاطب من الصحابة يحفظ سوراً من القرآن: «ملّكتكها بما معك من القرآن».
   ولا يصح الزواج بلفظ لا يفيد الملك كإجارة وإعارة ووصية ورهن ووديعة ونحوها، ولا بالألفاظ المصحفة مثل تجوزت.
   و قال فقهاء الشافعية والحنابلة: يشترط  لصحة عقد الزواج استعمال لفظي «زوج أو نكح» وما يشتق منهما لمن يفهم اللغة العربية. أما من لا يعرف اللغة العربية فيصح الزواج منه بالعبارة التي تؤدي الغرض المقصود، وتفهم هذا المعنى ، لأن عقد الزواج له خطورة لوروده على المرأة وهي حرة ، وشرع لأغراض سامية منها تكثير النسل وبقاء النوع الإنساني ، وتكوين الأسر ، ففيه معنى التعبد لله ، بتكثير عباد الله الذين يعبدونه ، مما يوجب علينا التزام ما ورد به الشرع ، ولم يرد في القرآن الكريم إلا هذان اللفظان فقط وهما (النكاح والتزويج) وذلك في أكثر من عشرين آية: منها: { فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ }  [النساء:3] ومنها { فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا } [الأحزاب:37].
ويمكن أن يكون رأي الحنفية والمالكية أرجح، لأن الزواج كغيره من العقود ، فيصح بكل لفظ ينبئ عن الرضا والإرادة.
صيغ اللفظ:
   ~ صيغة الماضي:
   اتفق الفقهاء على صحة انعقاد العقد بالفعل الماضي، لأن صيغته أدل على المراد وأقرب إلى تحقيق مقصود وهو إنشاؤها في الحال ، فينعقد بها العقد من غير توقف على شيء آخر كالنية أو القرينة ، وقد تعارف الناس استعمال هذه الصيغة ، وأقرهم الإسلام عليها واستعملها الرسول صلّى الله عليه وسلم في جميع العقود، لإفادتها تنجيز العقد حالاً ودلالتها على الإرادة الجازمة وحدوث الشيء قطعاً من غير احتمال معنى آخر، مثل بعت، واشتريت، ورهنت، ووهبت، وزوجت، وأعرت، وقبلت، ونحو ذلك.
   ~ صيغة المضارع:
   و اتفق الفقهاء أيضاً على الانعقاد بصيغة المضارع إذا توافرت نية الحال أو دلت القرينة على إرادة إنشاء العقد حالاً؛ لأن المضارع يدل على الحال والاستقبال، ففيه احتمال الوعد والمساومة، فكان لا بد من النية لتعيين المراد في الحال، وإنشاء العقد حالاً، مثل أبيع وأشتري وأزوجك وأقبل وأرضى.
   و ينعقد العقد بالجملة الاسمية على الأصح، مثل أنا بائع لك كذا، أو واهب لك كذا، فقال آخر: أنا قابل: أو قال: نعم.
   ~ صيغة الإستقبال أو الأمر:
   واختلف الفقهاء في انعقاد العقد بلفظ الأمر الذي يعبر به عن المستقبل ، مثل: بعني أو اشتر مني ، أو آجرني ، أو خذه بكذا.
فقال الحنفية: إن ماعدا عقد الزواج لا ينعقد عقده بلفظ الأمر، ولو نوى ذلك، ما لم يقل القائل الآمر مرة أخرى في المثال السابق: اشتريت، أو بعت، أو استأجرت ، لأن لفظ الأمر مجرد طلب وتكليف ، فلا يكون قبولاً ولا إيجاباً. أو كانت العبارة تنبئ عن إيجاب أو قبول مقدر (مفهوم ضمناً) يقتضيه المعنى ويستلزمه كأن يقول المشتري: اشتريت منك هذا بكذا، فقال البائع: خذه ، والله يبارك لك، فكأنه قال: بعتك فخذه.
وأما عقد الزواج فيصح بصيغة الأمر مثل: زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك، أو قال الرجل لولي المرأة أو وكيلها: زوجني فلانة، فأجاب: زوجتك، لأن لفظ الأمر للمساومة ، وعقد الزواج يسبق عادة بالخطبة ، فلا يقصد بهذا الأمر الوعد والمساومة ، وإنما المقصود به إنشاء العقد ، لا مقدمات العقد وهي الخطبة ، فيحمل على الإيجاب والقبول. أما غير الزواج كالبيع مثلاً، فإنه يحصل فجأة بدون مقدمات غالباً ، فيكون الأمر فيه مساومة ، عملاً بحقيقة لفظ الأمر، ويكون المراد به العدة أو المساومة ، ولا يعدل عن المعنى الحقيقي للفظ إلى شيء آخر إلا بدليل ، ولم يوجد الدليل في البيع ، بخلاف الزواج ، كما تقدم.

   وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية: ينعقد العقد بلفظ الأمر بدون حاجة للفظ ثالث من الآمر، سواء أكان بيعاً أم زواجاً ، لأن أساس العقد هو التراضي، وقد جرى العرف على استعمال صيغة الأمر في إنشاء العقود كالماضي والمضارع ، فينعقد بها العقد ، ويكون الآمر أو المستدعي عاقداً فعلاً: بائعاً أو مشترياً مثلاً، وهذا الرأي هو الأرجح لما فيه من تحقيق مصالح الناس ومراعاة أعرافهم وعاداتهم دون مصادمة النصوص الشرعية.
   واتفق الفقهاء على عدم انعقاد العقد بصيغة الاستقبال: وهي صيغة المضارع المقرون بالسين أو سوف مثل: سأبيعك؛ لأن ذكر السين يدل على إرادة العقد في المستقبل، فهو وعد بالعقد وليس عقداً، أي أنه يدل على عدم إرادة الحال، فلا ينعقد بها العقد، حتى ولو نوى بها العاقد الإيجاب والقبول.
   كذلك لا ينعقد العقد بصيغة الاستفهام، لدلالتها على المستقبل، لأنها سؤال الإىجاب والقبول، وليست إيجاباً ولا قبولاً، كأن يقول المشتري: أتبيع مني هذا الشيء؟ فقال البائع: بعت، لا ينعقد العقد إلا إذا انضم لذلك لفظ ثالث يقوله المشتري مرة أخرى: اشتريت ، لأن لفظ الاستفهام لا يستعمل للحال حقيقة.
ب‌.    التعاقد بالكتابة أو المراسلة:
   يصح التعاقد بالكتابة بين طرفين، ناطقين أو عاجزين عن النطق ، حاضرين في مجلس واحد ، أو غائبين ، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان ، بشرط أن تكون الكتابة مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها) ومرسومة (مسطرة بالطريقة المعتادة بين الناس بذكر المرسَل إليه وتوقيع المرسِل)، فإذا كانت غير مستبينة كالرقم أوالكتابة على الماء أو في الهواء ، أو غير مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع مثلاً ، لم ينعقد بها العقد ، وعليه نصت القاعدة الفقهية:
   (الكتاب كالخطاب) وهذا رأي الحنفية والمالكية.
   وذلك كأن يرسل شخص خطاباً لآخر يقول فيه: (بعتك سيارتي بكذا) ، فإذا وصله الكتاب ، فقال في مجلس قراءة الكتاب: قبلت ، انعقد البيع. فإن ترك المجلس ، أو صدر منه ما يدل على الإعراض عن الإيجاب ، كان قبوله غير معتبر.
   و في حال إرسال رسول إلى آخر مثل إرسال الكتاب ، يعتبر مجلس وصول الرسول هو مجلس العقد ، فيلزم أن يقبل فيه ، فإن قام من المجلس قبل أن يقبل انتهى مفعول الإيجاب. فالمعتبر هو مجلس بلوغ الرسالة أو الكتابة. و صورة الإرسال: أن يقول شخص: بعت لفلان كذا، فاذهب يا فلان وقل له ، فذهب الرسول ، فأخبره ، فقبل المش.......................................................



لتحميل المحاضرة كاملة


0 تعليقات على " المحاضرة الخامسة في مادة نظرية الإلتزام في الفقه الإسلامي "