الثلاثاء، 5 مارس 2019

المحاضرة السادسة في مادة نظرية الإلتزام في القانون

التراضي



المحاضرة السادسة في مادة:
نظرية الإلتزام في القانون، فوج ¾
**************************
أركان العقد
·      ركن التراضي:
·       وجود الرضا:
   وجود الرضا هو تعبير عن إرادة لإحداث أثر قانوني متجهة نحو صاحب نفس الإرادة (المطابقة).
~ الفقرة الأولى: الإرادة:
   ويجب أن تكون متجهة نحو إحداث أثر قانوني (أي ليس للمجاملة والآداب) كما يجب توافرها في طرفي العقد وأن تكون جادة.
~ الفقرة الثانية: التعبير عن الإرادة:
   القانون لا يهتم بالإرادة مادامت باقية في النفس والضمير ، فهي في هذه الحالة مجرد إحساس وشعور ، ولابد من إخراجها إلى العالم الخارجي والتعبير عنها (فكيف يكون التعبير عنها ؟) ولا توجد طريقة خاصة للتعبير عن الإرادة (حرية الوسيلة) ولكن هناك وسائل شائعة كاللفظ والكتابة والإشارة ( ويشترط في الإشارة أن تكون متداولة عرفا بين الناس ، كهز الرأس عموديا فهو دلالة على القبول). والتعبير عن الإرادة إما أن يكون صريحا إذا كان يعبر مباشرة عن الإرادة والرغبة( أنا راغب في بيعك ......) ، أو يكون ضمنيا بحيث لا يمكن استخلاص دلالة التعبير بشكل مباشر .
ولكن هل يصلح السكوت تعبيراً عن الإرادة؟
   السكوت لا يصلح للإيجاب مطلقا باعتباره دعوة ، أما القبول فقد قرر فقهاء الشريعة الإسلامية قاعدتهم المعروفة "لا ينسب لساكت قول" وهو ما يعرف بالسكوت البسيط، وعليه فالسكوت بمجرده لا يتضمن أي دلالة على القبول. ولكن قد يلابس هذا السكوت أمراً فيصبح معبراً عن الإرادة لأنه كما قال فقهاء الشريعة " السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان". وهو ما يعرف ب:(السكوت الملابس) ويرد في الحالات التالية:
1.    إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين .
2.    إذا تضمن العقد منفعة محضة لمن وُجه إليه الإيجاب ، فسكوت هذا الأخير يعتبر قبولا.
3.    إذا جرى العرف على اعتبار السكوت دليلا على الرضا.
هل العبرة في التعاقد بالإرادة الظاهرة أم بالإرادة الباطنة ؟
   ~ نظرية الإرادة الظاهرة:
    في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بحث من بحثهم إلى أن هذه الإرادة النفسية لا يجوز أن يكون لها أثر في القانون فهي شيء كامن في النفس ، والإرادة التي تنتج أثرا هي الإرادة في مظهرها الاجتماعي ، لا في مكمنها وهي تختلج في الضمير . ولا تأخذ الإرادة مظهرًا اجتماعيًا إلا عند الإفصاح عنها . فالعبرة بهذا الإفصاح ، إذ هو الشيء المادي الذي يستطيع القانون أن يحيط به وأن يرتب أحكامه ، دون حاجة إلى تحسس ما تنطوي عليه النفس من نيات . فإن القانون ظاهرة اجتماعية لا ظاهرة نفسية ، والإرادة الباطنة لا وجود لها إلا في العالم النفسي فإذا أريد أن يكون لها وجود في العالم الاجتماعي ، وجب أن تتجسم في المظهر المادي لها ، وهو ما يستطاع إدراكه . وفي هذا استقرار للتعامل ، وطمأنينة لمن يسكن بحق إلى ما يظهر أمامه من إرادة لا يستطيع التعرف عليها إلا من طريق التعبير عنها ، فلا يحتج عليه بعد ذلك بأن من تعاقد معه كان ينطوى على نية أخرى غير التي تستخلص من الطريق الذي اختاره للتعبير عن هذه النية.
   ~ نظرية الإرادة الباطنة:
   وهي تبحث عن الإرادة فيما تنطوي عليه النفس . أما مظهر التعبير عن الإرادة فليس إلا قرينة عليها تقبل إثبات العكس . فإذا قام دليل من جهة أخرى على أن المظهر المادي لا يتفق مع الإرادة النفسية ، فالعبرة بهذه لا بذاك . وإذا تعذر الوصول إلى معرفة الإرادة النفسية عن طريق الجزم ، فما على القاضي إلا أن يتعرفها عن طريق الافتراض . فالإرادة الحقيقة أولاً ، وإلا فالإرادة المفترضة ـ ولكنها ـ حقيقية أو مفترضة ـ هي الإرادة الباطنة لا الإرادة الظاهرة : الإرادة الحرة المختارة في معدنها الحقيقي ، غير متأثرة لا بغش ولا بإكراه ولا بغلط . فقد يكون الخلاف بين الإرادة والتعبير عنها جوهريا ، كما لو وقع غلط في كتابة ثمن من السلع في رسالة أو في بضاعة أو في بضاعة الثمن الموضوعة عليها ، فذكر الثمن على أنه 10 دراهم بدلا من 100 درهم ، فهل يلتزم الشخص بتعبيره هذا ؟ أم بحقيقة قصده.
   وقد ظهر إلى الوجود تياران فقهيان الأول ذو أصل لاتيني لا يعتد إلا بالإرادة الحقيقية للمتعاقد ، وهذا موقف المشرع الفرنسي ، فهذا التشريع يجيز أن يثبت الشخص أن إرادته الحقيقية تخالف ما أظهر .
   أما التيار الثاني ذو النزعة الجرمانية ، فإنه يعتد بالإرادة الخارجية المعبر عنها حتى ولو كانت مخالفة لقصد المتعاقد ، وهذا يضر بالمصلحة الفردية للمتعاقد وهذا ما جعل أغلب التشريعات تميل إلى النظرية اللاتينية .
   وهناك من التشريعات التي اتخذت موقفا وسطا بين النظريتين ، وهذا هو موقف ق.ل.ع (قانون الإلتزامات والعقود) المغربي ، فالمشرع بعد أن اشار في الفصلين 21 و 461 من ق.ل.ع إلى ضرورة الإعتداد بالإرادة الظاهرة المعبر عنها من خلال ألفاظ العقد ، إلا أنه بالرجوع إلى بعض الفصول الاخرى من ق.ل.ع يلاحظ أن المشرع يشير من حين لآخر إلى ضرورة عدم إغفال الإرادة الباطنية للمتعاقدين ، وهذا ما يتجلى من خلال قراءة الفصول الآتية:
1.    فالفصل 22 ق.ل.ع المتعلق بعقد الصورية " يجيز للمتعاقدين إمكانية الإتفاق على مخالفة العقد الظاهر وذلك بإبرامهما عقداً سرياً معارضا للعقد الظاهر كليا أو جزئيا ، غير أن آثار العقد السري تقتصر على المتعاقدين وورثهما فقط دون غيرهما حتى ولو كان هذا خلفا خاصا لأحدهما"
2.    كما أن الفصل 462 ق.ل.ع المتعلق بتفسير العقد فيه إشارة واضحة إلى أن القاضي يتوجب عليه في حالة الغموض والإبهام أن يبحث عن قصد المتعاقدين وأن لا يقف عند المعنى الحرفي للألفاظ  ولا عند تركيب الجمل ، وهذه دلالة واضحة على أن المشرع لم يهمل الإرادة الحقيقية للمتعاقدين .
النيابة في التعبير عن الإرادة:
~ تعريفها:
   قيام شخص يسمى النائب مقام شخص آخر يسمى الأصيل في إبرام التصرفات القانونية لحساب الثاني (الأصيل).
~ أهميتها:
   تكمن أهمية النيابة في كونها ضرورية إما لعجز الأصيل أو لعدم إهتدائه لما له فيه نفع أو لعدم قدرته على دفع الضرر عن نفسه لصغر سنه أو لعته أو الجنون أو يكون هذا الأصيل مترفه (الوكالة).
~ أنواعها:
o      النيابة الإتفاقية: وهي عقد الوكالة حيث تحدد سلطة النائب بناءا على الإتفاق بين النائب والاصيل.
o      النيابة القانونية: كنيابة الأب على ابنه القاصر.
o       النيابة القضائية: كالوكالة على الدائنين في التفليسة ([1]). وتلحق بأحكام النيابة القانونية.
~ شروطها:
1.    أن يكون هناك حلول لإرادة النائب محل إرادة الأصيل فيبرم التصرفات بإرادته فلهذا لا يجب أن يكون مجرد رسول ، وقد تجتمع فيه صفة نائب ورسول حسب الحالات. وبما أن النائب يعبر عن إرادته لا عن إرادة الاصيل فإننا عند البحث عن عيوب الإرادة وسوء النية نبحث عن مقدار التعليمات الموجهة إليه وقت التنفيذ من جانبه (إن وثجدت تعليمات).
2.    تعامل النائب بإسم الاصيل ولحسابه بحيث يجب على النائب أن يعبر عن صفته أثناء إبرام العقود ولا يسمح له بعكس ذلك إلا في حالتين:
      ~ إذا كانت الظروف تفرض ذلك على المتعاقد. مثال من يدخل لمحل تجاري ولا يعرف هل البائع هو صاحب المحل أم هو فقط نائب عنه.
      ~ إذا تساوى النائب والاصيل لدى التعاقد. كمثال صاحب المحل يستوي عنده أن يكون الزبون أصيلا أو نائبا أو غيره.
3.    أن يكون تصرف النائب في حدود نيابته بحيث تكون هذه الحدود متفق عليها إذا كانت النيابة إتفاقية وتنتهي هذه الحدود إذا انقضت مهمة النائب أو في حال عزله أو موت الأصيل بحيث لا يمكنه إبرام أي تصرف.
وقد نصت المادة 927 ق.ل.ع على أنه : "لا يُلزَم الموكل بما يجريه الوكيل خارج حدود وكالته أو كتجاوزا إياها إلا في الحالات الآتية:
   ~ أولا: إذا أقره ولو دلالة.
   ~ ثانيا: إذا استفاد.
   ~ ثالثا: إذا أبرم الوكيل التصرف بشروط أفضل مما تضمنته تعليمات الموكل.
   ~ رابعا: وأيضا إذا أبرم الوكيل التصرف بشرط أقل مما تضمنته تعليمات الموكل ما دام الفرق يسيرا، أو كان مما يتسامح به في التجارة أو في مكان إبرام العقد.
~ آثــــار الــتـعـاقـد بـالـنـيـابـة: (وتتضح من خلال علاقات):
1.    العلاقة بين النائب والغير: لا أثر إلا إذا كانت النيابة شاملة أو تجاوز النائب حدود (تطبيق مقتضيات المسؤولية التقصيرية).
2.    العلاقة بين الأصيل والغير: يختفي النائب وتنشأ علاقة مباشرة بين المتعاقدان الحقيقيان (الأصيل والغير).
3.    العلاقة بين النائب والأصيل: يحكم هذه العلاقة مصدر النيابة ، فإذا كانت نيابة قانونية فيحدد القانون العلاقة بينهما ، وإن كانت نيابو أتفاقية فيحدد هذه العلاقة عقد الوكالة ، وإذا كانت النيابة قضائية فإن القضاء هو الذي يحدد العلاقة بينهما.
~ تعاقد الشخص مع نفسه:
وهو من صور التعاقد بالنيابة وله عدة صور من بينها:
-  تعاقد النائب نيابة عن الاصيل لحسابه هو أي النائب.
-  إشتراء وكيل ما وكله غيره عليه لنفسه.
-  التعاقد بالنيابة عن طرفي العقد ( إذا كان ينوب عن طرفي العقد).
   واختلفت التشريعات في مثل هذا التعاقد بين مبيح و محرم ، فمنها ما يبيحه كالقانون السويسري والفرنسي والإيطالي والشريعة الإسلامية ، ولكن التشريعات التي حرمت هذا التعاقد اباحته استثناء في حالات معينة والتي أباحته أصلا حرمته استثناء وذلك خضوعا لمقتضيات الحياة العملية. أما القانون المغربي فلم يرد به نص عام في هذا الشأن ولكنه يتضمن مع ذلك نصوصا تحرم تعاقد النائب مع نفسه في حالات خاصة وتجيزه في استثناء.
    ومن ذلك ما ورد في المادة 480 ق.ل.ع بشأن منع الأولياء والأوصياء والمقدمين وعلى السنديك والحارس القضائي وصفوا الشركات وكذلك متصرفوا البلديات والمؤسسات العامة أن يكتسبوا أموال من ينوبون عنهم إلا إذا كانوا يشاركونهم على الشيوع في ملكية الأموال.
   ومن ذلك ما ورد في المادة 481 ق.ل.ع بشأن منع السماسرة والخبراء من شراء المال الموكول إليهم بيعه سواء كان عقارا أم منقولا.
~ خطوات التعاقد (توافق الإرادتين):
التوافق بين الإرادتين يتم على خطوات ثلاث : الإيجاب والقبول ثم اقتران القبول بالإيجاب.
·        أولا الإيجاب:
هو العرض الذي يتقدم به شخص معين (الموجب) باديا رغبته في التعاقد ويتم التعبير عنه بمختلف صور التعبير عن الإرادة سواء كانت صريحة أو ضمنية ،وهذا مايشير إليه الفصل 19الذي جاء فيه: "لا يتم الإتفاق إلا بتراضي الطرفين على العناصر الاساسية للإلتزام وعلى باقي الشروط المشروعة الاخرى التي يعتبرها الطرفان أساسية ....."
~ الإيجاب والمفاوضات التمهيدية:
   الإيجاب: خطوة مباشرة إلى العقد فهو دعوة إن أجيبت ، تم العقد ، أما المفاوضات التمهيدية : فهي خطوة نحو الإيجاب وإذا تم خطأ في هذه المفاوضات طبقت مقتضيات المسؤولية التقصيرية ، وهذا ما تؤكده "نظرية الخطأ عند تكوين العقود".




[1] التفليسة : هي
إجراءَات قانونيّة تتعلّق بديُون التَّاجر المُفْلس وأَمْواله.    



تمت المحاضرة بحمد الله
لتحميل المحاضرة



0 تعليقات على " المحاضرة السادسة في مادة نظرية الإلتزام في القانون "